ابن كثير
364
البداية والنهاية
كان مولده في سنة أربع وتسعين ، فتوفي عن ثلاث وسبعين سنة ، وقد نال العز عزا في الدنيا ورفعة هائلة ، ومناصب وتداريس كبار ، ثم عزل نفسه وتفرغ للعبادة والمجاورة بالحرمين الشريفين ، فيقال له ما قلته في بعض المراثي : فكأنك قد أعلمت بالموت حتى * تزودت له من خيار الزاد وحضر عندي في يوم الثلاثاء تاسع شوال البترك بشارة الملقب بميخائيل ، وأخبرني أن المطارنة بالشام بايعوه على أن جعلوه بتركا بدمشق عوضا عن البترك بأنطاكية ، فذكرت له أن هذا أمر مبتدع في دينهم ، فإنه لا تكون البتاركة إلا أربعة بالإسكندرية وبالقدس وبإنطاكية وبرومية ، فنقل بترك رومية إلى إسطنبول وفي القسطنطينية ، وقد أنكر عليهم كثير منهم إذ ذاك ، فهذا الذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك . لكن اعتذر بأنه في الحقيقة هو عن أنطاكية ، وإنما أذن له في المقام بالشام الشريف لأجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه وعن أهل ملتهم إلى صاحب قبرص ، يذكر له ما حل بهم من الخزي والنكال والجناية بسبب عدوان صاحب قبرص على مدينة الإسكندرية ، وأحضر لي الكتب إليه وإلى ملك إسطنبول وقرأها علي من لفظه لعنه الله ولعن المكتوب إليهم أيضا . وقد تكلمت معه في دينهم ونصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاثة ، وهم الملكية واليعقوبية ومنهم الإفرنج والقبط ، والنسطورية ، فإذا هو يفهم بعض الشئ ، ولكن حاصله أنه حمار من أكفر الكفار لعنه الله . وفي هذا الشهر بلغنا استعادة السلطان أويس بن الشيخ حسن ملك العراق وخراسان لبغداد من يد الطواشي مرجان الذي كان نائبه عليهما ، وامتنع منطاعة أويس ، فجاء إليه في جحافل كثيرة فهرب مرجان ودخل أويس إلى بغداد دخولا هائلا ، وكان يوما مشهودا . وفي يوم السبت السابع والعشرين من شعبان قدم الأمير سيف الدين بيدمر من الديار المصرية على البريد أمير مائة مقدم ألف ، وعلى نيابة يلبغا في جميع دواوينه بدمشق وغيرها ، وعلى إمارة البحر وعمل المراكب ، فلما قدم أمر بجمع جميع النشارين والنجارين والحدادين وتجهيزهم لبيروت لقطع الأخشاب ، فسيروا يوم الأربعاء ثاني رمضان وهو عازم على اللحاق بهم إلى هنالك والله المستعان . ثم أتبعوا بآخرين من نجارين وحدادين وعتالين وغير ذلك ، وجعلوا كل من وجدوه من ركاب الحمير ينزلونه ويركبوا إلى ناحية البقاع ، وسخروا لهم من الصناع وغيرهم ، وجرت خبطة عظيمة وتباكى عوائلهم وأطفالهم ، ولم يسلفوا شيئا من أجورهم ، وكان من اللائق أن يسلفوه حتى يتركوه إلى أولادهم . وخطب برهان الدين المقدسي الحنفي بجامع يلبغا عن تقي الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين الكفري ، بمرسوم شريف ومرسوم نائب صفد استدمر أخي يلبغا ، وشق ذلك عليه وعلى جده